النويري

37

نهاية الأرب في فنون الأدب

أما الفصاحة والبلاغة ، فقد تقدّم الكلام فيهما في أوّل الباب ، فلا فائدة في إعادته . وأما الحقيقة والمجاز - فالحقيقة في اللَّغة فعيلة بمعنى مفعولة ، من حقّ الأمر يحقّه بمعنى أثبته ، أو من حققته إذا كنت منه على يقين . والمجاز من جاز الشئ يجوزه إذا تعدّاه ، فإذا عدل بالَّلفظ عما يوجبه أصل اللَّغة وصف بأنه مجاز على أنهم قد جازوا به موضعه الأصلىّ ، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أوّلا ، لأنه ليس بموضع أصلىّ لهذا الَّلفظ ولكنّه مجازه ومتعدّاه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعدّاه [ إلى ] مكانه الأصلىّ . ولهما حدود في المفرد والجملة ، فحدّهما في لامفرد : أن كل كلمة أريد بها ما وضعت له فهي حقيقة ، كالأسد للحيوان المفترس ، ولايد للجارحة ونحو ذلك . وإن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهي مجاز ، كالأسد للرّجل الشجاع واليد للنّعمة أو للقوّة ، فإن النعمة تعطى باليد ، والقوّة تظهر بكمالها في اليد . وحدّهما في الجملة : أن كلّ جملة كان الحكم الذي دلَّت عليه كما هو في العقل « 1 » فهي حقيقة كقولنا : خلق اللَّه الخلق ؛ وكلّ جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل بضرب من التأويل فهي مجاز ، كما إذا أضيف الفعل إلى شئ يضاهى الفاعل ، كالمفعول به في قوله عزّ وجلّ : * ( فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) * * و * ( مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) * ؛ أو المصدر ، كقولهم : شعر شاعر ؛ أو الزمان ، كقول النعمان بن بشير لمعاوية : وليلك عمّا ناب قومك نائم ؛ أو المكان ، كقولك : طريق سائر ؛ أو المسبّب ، كقولهم : بنى الأمير المدينة ؛ أو السبب ، كقوله تعالى : * ( وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً ) * . فمجاز المفرد

--> « 1 » في الأصل : « فهو » والصواب تأنيث الضمير لتأنيث مرجعه وليوافق ما سيأتي .